أقلام

الإلهام الصامت: أن تكون همزة وصل إلى الله

كم مرة تأملْتَ حياة إنسان فألهمك بصمت ليغير حياتك رأسًا على عقب؟ كم مرة شهدت موقفًا كان أبلغ من ألف كلمة وكلمة؟ كم كانت أخلاق إنسان عرفناه، كفيلة بأن تحمل الناس على التغيير الكامل، لما كانوا يفعلوه بقصد أو دون قصد لسنوات؟ بالتحديد في الصف العاشر بدأت رحلتي مع العشق اللامتناهي للدعوة، وفنون الدعوة والتغيير، وعلمت حينها أهمية الدعوة إلى الله، بدأت أقرأ كثيرًا عن كتب الدعوة، أساسياتها ومتطلباتها. لا أنكر أنني ظننت في ذلك الوقت أنني ألممت بكل شيء، تمامًا مثل الغالبية العظمى من الشباب المتحمس الغيور على دينه، ولكنني اليوم أدركت أنني كنت في واد والموعظة الحسنة والحكمة في واد آخر.

كنت أعتقد أنني يجب أن أكون بنقاء الماء الصافي بلا خطأ ولا ذنب أمام الجميع ومع نفسي، وأنني كلما رأيت زلّة ممن هم حولي نهيت عن المنكر وأمرت بالمعروف مسرعة، كمؤدب يمسك عصاه يضرب الخلق هنا وهناك، شديدًا غليظًا، لا يختار الموقف الأنسب ولا الوقت ولا المكان، يقول ما لديه مما يراه أمرًا  ونهيًا ويغادر وهو يشعر بقرب من الله، ولا يدري أنه قد أغفل أن يلم بالكثير من المعطيات ليكون كذلك.

 ويغفل عن كوننا بشرًا خطائين لا ملائكة منزلين، وأنه ظلم نفسه قبل غيره عندما أراد لها أن تكون كنقاء الماء لا تشوبها شائبة، أثقل على نفسه ما لا يطيقه بشر فالأصل فينا الزلة، ونقاوم ونصارع لنصلح كل فترة فينا علة، ونغفل أن من حولنا مثلنا كل يخوض معركته. وإننا بحاجة إلى فنون الدعوة وآدابها، ويجب أن نعي جيدًا أهمية الدعوة إلى الله وأن تكون شخصًا قادرًا على  النصح والتأثير.

أذكر أنني كنت أرتدي جلبابًا ملونًا فصرخت بوجهي قائلة: “أنت معلمة تربية إسلامية ما هذا اللون الأزرق، أنت قدوة، كيف ستقفين أمام الله؟!” أذكر يومها أنني عدت لبيتي بدموع عيني، وكنت أردد: “للجنة ثمانية أبواب، كل يدخل من باب، فلم تراهم يضيقون واسعًا، ربما لم يكتمل زيي الشرعي، وربما غفلت للحظة عن متطلباته دون وعي، ولكنني ربما أدخل من باب الصيام أو غيره، ما أوسع رحمة الله وما أضيق تفكير البشر.”

لقد كنت ذلك الإنسان الذي لا يسأل نفسه هل كنت فظًا غليظ القلب، هل كان من نصحت في حالة يستقبل فيها النصح، هل بيني وبين من رميت كلماتي في وجهه صلة تشفع لي نصحي هذا، الذي ربما كان حادًا قليلًا أو كثيرًا على شخص لا تزال معرفته بي سطحية. ولأن الرب يربي عباده ليكونوا أفضل دائمًا، فقد أذاقني الله من هذا الكأس.

 فكم جاءت نصيحة ما على لباسي الشرعي، أو طريقة لفة حجابي، أو صلاتي، أو أي فعل، في وقت كنت فيه أجاهد للأفضل، فجاءت كلماتهم لترجعني للوراء وتحطمني بدل أن تجعلني أتحفز لأكمل ما كنت قد بدأت به، أو كنت في حزن داخلي وصراعات لا يعلمها أحد فجاء ما ظنوه أمرًا أو نهيًا كواجب يؤدونه، صاعقة لم تزد همي إلا همًا وحزني إلا حزنًا، وكنت أغرق في دواخلي وأتساءل أهذا ما يرتضيه الرب لعباده الصالحين، وهو الذي أمرنا أن نكون مبشرين لا منفرين، أهذا ما تعلموه في حياتهم عن  أهمية الدعوة إلى الله وطرقها.


اقرأ أيضًا: الكلمة لا تكلف جهدًا.. ولكنها تشفي قلبا


أذكر أنني كنت أرتدي جلبابًا ملونًا فصرخت بوجهي قائلة: “أنت معلمة تربية إسلامية ما هذا اللون الأزرق، أنت قدوة، كيف ستقفين أمام الله؟!” أذكر يومها أنني عدت لبيتي بدموع عيني، وكنت أردد: “للجنة ثمانية أبواب، كل يدخل من باب، فلم تراهم يضيقون واسعًا، ربما لم يكتمل زيي الشرعي، وربما غفلت للحظة عن متطلباته دون وعي، ولكنني ربما أدخل من باب الصيام أو غيره، ما أوسع رحمة الله وما أضيق تفكير البشر.”

وفي يوم كان شاقًا كنت أرتدي لباسًا فضفاضًا ولكنه يغطي ثلثي الأرجل تقريبًا، كنت قد بدأت بلبس هذا النوع من الزي عندما أصبحت في كل مرة أكاد أقع وأنا أكافح في حمل أطفالي وأغراض المنزل معًا، رأيت أنه يسمح لي بالسير أفضل وأسرع، خاصة أنه مع بنطال عريض، لا أقول هنا إن كنت على صواب أو خطأ ولكنني التقيت بزميلتي التي كنت لم أرها منذ سنوات طوال، وقد طالعتها من بعيد فلم أفكر سوى بالنظر إلى عينيها مباشرة، حيث الروح تشتاق للروح، فإذا بها تتفقد ما ألبس عوضًا عن وجهي، وقبل السلام قالت: تركتي الجلباب؟

أحيانًا قد أختار أن لا أتكلم مطلقًا إن وجدت أن الذي أمامي لا تربطني به تلك العلاقة القوية ليقبل مني نصحي، أو قد أترك أفعالي وأخلاقي على مدى الزمان معه تتكلم عني، وصدقًا وجدت أن الأفعال على أرض الواقع تلامس الضمير والروح أضعاف الكلمة المباشرة.

أو تلك المرة التي صليت فيها بجانب إحدى الأخوات فلما أنهينا، كانت قد أعدت لي قائمة بأخطاء صلاتي، وأظن اليوم وأجزم لو أنها ركزت في صلاتها وخشعت، وتركتني لصلاتي لنجونا جميعًا. لا يفهم من كلامي أنني ضد النصيحة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنني مع الحكمة في ذلك لأبعد الحدود، مع الرقة، مع الإنسانية، مع فنون الدعوة، مع قراءة روح الإنسان الذي أمامي قبل اختيار اللحظة التي قد أتكلم بها، قد أصمت لشهور قبل أن أتكلم، وأظن أن من صفات الله الحلم، وأن اسمه الحليم وأنها من معتقدات ديننا لا لنحفظها أو نعرفها فقط، بل لنتمثلها ونطبقها أيضًا.

 وأحيانًا قد أختار أن لا أتكلم مطلقًا إن وجدت أن الذي أمامي لا تربطني به تلك العلاقة القوية ليقبب مني نصحي، أو قد أترك أفعالي وأخلاقي على مدى الزمان معه تتكلم عني، وصدقًا وجدت أن الأفعال على أرض الواقع تلامس الضمير والروح أضعاف الكلمة المباشرة، قد أختار النصح بالتورية، بالحديث عن أفكاري بشكل منوع من هنا وهناك، وأترك من أمامي يستشف منها ما إذا تفتحت روحه لي، قد أنتظر أن يأتيني يومًا سائلًا طالب النصح فأدلي بدلوي كله، وأنا على يقين بعد سنين، أنه لن يختار نصيحتي إن لم أكن قد أعطيته تلك المساحة، والأريحية والاحتواء.


اقرأ أيضًا: شغاف القلوب.. توضأ بالمحبة واقترب


بدأت ابنتي مريم بلبس الحجاب منذ أن فُرض عليها، وهذا في مجتمعات اليوم إنجاز عظيم، لم أجبرها أن تطيل جلبابها فورًا، كانت ترتدي واسعًا فضفاضًا يصل حد الركبة، تركت للطفلة  مساحتها الخاصة وبدأت هي فعلًا تتجاوب مع هذه المساحة، فتسأل أكثر عن ما يجب وما لا يجب فعله كونها محجبة، تسأل وأجيب وأراها تتقدم بخطوات سريعة في اللباس الأوسع والأكثر سترًا.

حتى مرت بما مررت به، فإذا بإحداهن تقول لها مباشرة ودون مقدمات، ودون أن يكون بينهما محادثات وودّ وكلمات، أو مواقف جميلة وضحكات تطبطب على النصح الذي يقدم، قالت: ” ألا تخافين الله بلباسك هذا !” مع صدمة مريم لم تسمع باقي النصح الطويل المتتالي، اسودت الدنيا في عينيها، ثم تفاجأت أنها على مدى أسابيع كانت ترى هذه التي نصحتها في منامها على هيئة كوابيس مزعجة، أبعدتها ولم تقربها، زعزعتها ولم تثبتها، واضطررت أن أطبطب أنا كثيرًا حتى استقرت ابنتي مجددًا وهدأت.

لكل مقام مقال، والحكمة مطلوبة، وفنون الدعوة مطلوب تعلمها، وطرق الدعوة إلى الله عديدة وهي هينة لينة لا منفرة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ولين القلب والقول أساس، كيف لا وقد أمر الله به سيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام عندما أرادا دعوة من يقول أنا ربكم الأعلى، فرعون الذي طغى واستكبر وتجبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى