أقلام

تشابه أم تكامل؟ عن التوافق والاختلاف مع شريك الحياة؟

هل سيشبهني الشريك المستقبلي في أفكاري؟ وهل سيشاركني ما أحب؟ وهل سيكره ما أكره؟ أم سنكون مختلفين؟ وغيرها من الأسئلة التي تدغدغ تفكير الفتيات المقبلات على الزواج، وكثير منهن يعتقدن أن التشابه الكبير في الصفات والميول هو المؤشر الأهم لحياة زوجية سعيدة، ولا يطمئن البال إلا حين تجد الشريك المتشابه معها إلى حد كبير. وبعد التأكد من مستوى التشابه يتم الزواج، ولكن، بعد وقت قصير تبدأ الخلافات تطفو على السطح، وهو ما يبدو غريبًا لأن هذا الزواج تم على خلفية توافق كبير.

وعندما نقارن تلك الزيجة بزيجة أخرى تمت بطريقة تقليدية، أو كما يطلق عليها “زواج الصالونات”، نتساءل: هل التشابه بين الشريكين في الصفات والميول يكفيان لتأسيس حياة زوجية سعيدة؟ والإجابة هي أن الزواج هو تأسيس لمشروع اجتماعي يتطلب مقومات مثل أي مشروع، فعلى الشريكين قبل الشروع بتنفيذه معرفة الغاية والهدف، ووضع خطة تتمتع برؤية مستقبلية مشتركة، وتكون واقعية، قابلة للتنفيذ. نرى زيجة تمت بعد معرفة دامت خمس سنوات وربما أكثر، وبعدما أصبح الشريكان تحت سقف واحد بشق الأنفس يصمد الزواج سنة واحدة فقط! وبالمقابل، نرى أزواجًا عاشوا معا ًعمرًا طويلًا، رغم أنهم تعارفوا قبل الزواج بأيام معدودة فقط.

الشريك.jpg
السعادة الزوجية لا تعتمد على الصفات أو السمات الشخصية المتشابهة فقط بل تعتمد على متانة العلاقة

هذا يقودنا إلى الجزم بأن مدة التعارف التي يظن خلالها الشريكان أنهما تعرفا على بعضهما بشكل كاف خلالها، ليست هي الأصل في نجاح العلاقة. وهذا ما تشير إليه دراسات علمية تؤكد على أن السعادة الزوجية، لا تعتمد على الصفات، أو السمات الشخصية المتشابهة فقط، بل تعتمد على متانة العلاقة التي ينشئها الزوجان معًا. ومع ذلك لا ينفي علماء النفس أن التشابه مع الشريك مهم بالفعل، ولكنهم يرون أن الأهم من مدى التشابه هو بناء كل طرف، الشعور بالهوية المشتركة مع شريكه.

قد تتسأل أيها القارئ/القارئة عن ماهية نظرية الهوية المشتركة، فسأبسط الأمر لك باختصار، فتلك النظرية تقوم على أساس، ألا وهو ضرورة وجود رؤية مستقبلية مشتركة للشريكين توضح معالم حياتهما الزوجية، بغض النظر عن مدة تعارفهما قبل الزواج، والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها تلك النظرية هي “الزواج يبدأ بالتشابه وينتهي بالتكامل”، أي يبدأ بالتشابه في أمور كثيرة؛ كالوضع الاجتماعي، والمستوى التعليمي، ودرجة الالتزام الديني، وأن الشريكين لديهما أهداف مشتركة في الحياة بصفة عامة، وفي الزواج بصفة خاصة، وهذا التشابه بمثابة اللبنة الأولى لبيت الزوجية. وكل يوم يمر بعد الزواج، يجد كل من الزوجين ما ينقصه عند شريكه، وهنا يحدث التكامل.

إن اختلاف الشخصيات بين الشريكين، لا يُعد عائقًا لإتمام علاقة زوجية ناجحة، لأن الحياة تحت سقف واحد، كما ذكرنا لا تتطلب التشابه في كل الأمور بقدر ما تحتاج إلى التكامل. وذلك التكامل لا يتطلب أن أغير شخصية شريكي، ولا أن أغير شخصيتي، بل يحدث بوصفة بسيطة، وهي أن أتقبل الشريك كما هو لا كما أريد أنا، لأنه مهما تشابهنا سنبقى كما خلقنا الله مختلفين.

فنرى أن اختلاف الشخصيات بين الشريكين، لا يُعد عائقًا لإتمام علاقة زوجية ناجحة، لأن الحياة تحت سقف واحد، كما ذكرنا لا تتطلب التشابه في كل الأمور بقدر ما تحتاج إلى التكامل. وذلك التكامل لا يتطلب أن أغير شخصية شريكي، ولا أن أغير شخصيتي، بل يحدث بوصفة بسيطة، وهي أن أتقبل الشريك كما هو لا كما أريد أنا، لأنه مهما تشابهنا سنبقى كما خلقنا الله مختلفين، ولتطبيق ذلك يحتاج كل شخص أن يعرف ما ينقصه، وكيف يجده عند شريكه.

من الطبيعي أن لكل إنسان عادات وصفات تختلف عن الآخر، ويرجع ذلك لاختلاف البيئة التي نشأ فيها الشخص، وكذلك الزوجان، وتظهر هذه الاختلافات عند التعامل مع أول خلاف بينهما عندما ينكر كل طرف تصرفات الآخر. ما أريد قوله إنه لا يشترط أن يغير كل شخص طبيعته التي نشأ عليها، لأن الاختلاف في بعض الطباع والصفات، وطرق التعامل مع الأمور الحياتية بين الزوجين يكون مفيدًا لسير الحياة.


اقرأ أيضًا: إلى حبيبين.. لا تنسيا التفاصيل الصغيرة


لكل شخص احتياجات يريد أن يحققها في حياته، كالحاجات الفسيولوجية والاجتماعية، والحاجة للنجاح وتقدير الذات، وغيرها من الأمور التي تُشعر الإنسان بضرورة وجوده في الحياة، ولا يكفي حصول أحد الشريكين عليها ليشعر الآخر بالرضا، لكن هناك سماتًا شخصية، ومهارات، وطرقًا للتعامل مع الآخرين، يفتقدها أحدنا.

مثلًا، قد يتعامل الزوج مع الأمور بعقلانية، وهدوء،  إزاء المواقف الحياتية، وقد يكون ذلك مزعجًا للزوجة، وتظنه برودًا نوعا ما، أو ضعفًا في شخصيته، وذلك لأنها تختلف معه في الطباع، لأنها تتصرف مع الأمور ببعض من العصبية والعاطفية الزائدة نوعًا ما، فنجدها تصرخ على طفلتها إذا كانت درجاتها الدراسية غير مرضية، وتثور على ولدها إذا أتى متشاجرًا مع زميله، وترتب على ذلك مساءلة من مدرسته، وغيرها من المواقف، فهنا العقلانية والهدوء المطلوبين من الزوجة العصبية تجاه تلك الأمور، تجدها عند زوجها الهادئ، وبذلك يحدث التكامل بينهما بالرغم من اختلاف السمات الشخصية.

من الجميل أن تبدأ حياة الشريكين بالتشابه ليبدأ الحب، وتنتهي بالتكامل لتتوثق أواصر العلاقة الزوجية.

وقد يكون الزوج شخصًا غير اجتماعي، ولكنه يجد في شخصية زوجته ما يجبر به نقص العلاقات الاجتماعية. وأيضًا، قد تكون الزوجة تحسن إدارة الأمور المالية والزوج، لا يجيدها مع أن المتعارف عليه أنها مهمة الزوج فقط، فما المانع أن تتولى الزوجة هي تلك المهمة إذا كانت تجيدها، وذلك من باب التكامل الذي يكون في مصلحة الأسرة. وتوزيع الأدوار بين الزوجين لا يتطلب منافسة عند التنفيذ حتى لا يتحول لصراع، بل يتطلب مرونة عالية من الزوجين للوصول لحلول وسط مرضية لكليهما، وذلك بمعرفة كل منهما لحقوقهما وواجباتهما.

وفي النهاية أقول: لا يملك الشريكان عصًا سحرية لجعل حياتهما كلها سعادة وحب وتفاهم من أول يوم يلتقيان فيه، بل على كل منهما أن يروض ذاته لتتقابل مع رغبات شريكه، فمن الجميل أن تبدأ حياة الشريكين بالتشابه ليبدأ الحب، وتنتهي بالتكامل لتتوثق أواصر العلاقة الزوجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى